الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

337

تفسير روح البيان

لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نعطى اجرا وثوابا ونطمع ان يكون سفرنا هذا سفر غزو وطاعة فأنزل اللّه تعالى هذه الآية لأنهم كانوا مؤمنين مهاجرين وكانوا بسبب هذه المقاتلة مجاهدين والمعنى ثبتوا على ايمانهم فلم يرتدوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا اى فارقوا منازلهم وأهلهم وَجاهَدُوا المجاهدة استفراغ ما في الوسع اى حاربوا المشركين فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعته لاعلاء دينه أُولئِكَ يَرْجُونَ بمالهم من مبادى الفوز رَحْمَةِ اللَّهِ اى ثوابه ولا يحبط أعمالهم كاعمال المرتدين أثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للايران بأنهم عالمون بان العمل غير موجب للاجر وانما هو بطريق التفضل منه تعالى لا لان في فوزهم اشتباها وَاللَّهُ غَفُورٌ مبالغ في مغفرة ما فرط من عباده خطأ رَحِيمٌ يجزل لهم الاجر والثواب * قال قتادة هؤلاء خيار هذه الأمة ثم جعلهم اللّه أهل رجاء كما تسمعون وانه من رجاء طلب ومن خاف هرب - روى - انه مر أبو عمر البيكندى يوما بسكة فرأى أقواما أرادوا إخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكى قيل إنها أمه فرحمها أبو عمر فشفع له إليهم وقال هبوه منى في هذه المرة فان عاد إلى فساده فشأنكم فوهبوه منه فمضى أبو عمر فلما كان بعد أيام اجتاز بتلك السكة فسمع بكاء العجوز من ورلء ذلك الباب فقال في نفسه لعل الشاب عاد إلى فساده فنفى من المحلة فدق عليها الباب وسألها عن حال الشاب فقالت إنه مات فسألها عن حاله فقالت لما قرب اجله قال لا تخبري الجيران بموتى فلقد آذيتهم فإنهم سيشتموننى ولا يحضرون جنازتى فإذا دفنتنى فهذا خاتم لي مكتوب عليه‌بسم اللّه الرحمن الرحيم فادفنيه معي فإذا فرغت من دفني فتشفعى لي إلى ربى ففعلت وصيته فلما انصرفت عن رأس القبر سمعت صوته يقول انصرفي يا أماه فقد قدمت على رب كريم ونعم ما قيل ببهانه ميدهد ببها نميدهد * - قيل - ان الحجاج لما أحضرته الوفاة كان يقول اللهم اغفر لي فان الناس يزعمون انك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهي مدينته التي أنشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى أشرفت جارية من القصر وهي تبكى وتقول ألا ان مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من أهل الشام على قبره فقال اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من أهل العراق بالطلاق ان الحجاج في النار فاستفتى طاووس فقال يغفر اللّه لمن يشاء وما أظنها الا طلقت فيقال انه استفتى الحسن البصري فقال اذهب إلى زوجتك وكن معها فإن لم يكن الحجاج في النار فما يضركما انكما في الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على أن اللّه تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وان جاء بمثل زبد البحر ذنبا فاللازم للعباد الرجاء من اللّه تعالى * قال الراغب وهذه المنازل الثلاثة التي هي الايمان والمهاجرة والجهاد هي المعنية بقوله اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ ولا سبيل إلى المهاجرة الا بعد الايمان ولا إلى جهاد الهوى الا بعد هجران الشهوات ومن وصل إلى ذلك فحق له ان يرجو رحمته * واعلم أن الهجرة على قسمين . صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال عليه السلام . ( لا هجرة بعد الفتح ) . ومعنوية وهي السير عن موطن النفس إلى اللّه افتح كعبة القلب وتخليصها من أصنام الشرك والهوى فيجرى حكمها إلى يوم القيامة . وكذا الجهاد في سبيل اللّه على قسمين . أصغر وهو الجهاد مع الكفار . وأكبر وهو الجهاد مع النفس وانما كان هذا الجهاد أكبر لان غاية